وهبة الزحيلي

332

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لتبليغ الوحي ، بالمعجزات البينة والشرائع الظاهرة والحجج والبراهين القاطعة ، وأنزلنا معهم الكتاب أي جنسه الشامل لكل كتاب سماوي كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن ، وأنزلنا معهم الميزان ، أي العدل في الأحكام ، أي أمرناهم به ، ليتبع الناس ما أمروا به من الحق والعدل ، وتقوم حياتهم عليه ، فيتعاملوا بينهم بالإنصاف في جميع أمورهم الدينية والدنيوية ، فهم الحراس على تنفيذ الأحكام واحترام الشرائع واتباع الرسل . وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ أي وخلقنا الحديد مع المعادن ، وعلّمنا الناس صنعته ، وجعلناه رادعا لمن أبي الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه ، ففيه قوة رادعة ، وفيه منافع للناس ينتفعون به في كثير من حاجاتهم ومعايشهم ، كأدوات الطعام ومرافق المنازل وإقامة المباني والعمارات ، ومرافق الحياة الاقتصادية وآلات الزراعة ، وأدوات الصناعة السلمية والحربية ، الخفيفة والثقيلة من آلات وأسلحة وفطارات وبواخر وطائرات وسيارات وغيرها . فكلمة الحديد إشارة إلى القوة الرادعة لتنفيذ أحكام الشريعة بين المسلمين ومن يتعايش معهم في داخل الدولة ، ولجهاد الأعداء الدين يعتدون على حرمات الدين وبلاد الإسلام ويعرقلون انتشاره في العالم . لهذا أقام الرسول صلى اللّه عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية لإصلاح العقيدة والأخلاق وجدال المشركين وإيضاح أصل التوحيد وإثبات النبوة بالمعجزات الباهرات ، فلما قامت الحجة على الناس المخالفين ، شرع اللّه الهجرة ، وأذن بالقتال دفاعا عن استقرار العقيدة وكرامة المسلمين وعزتهم ، وكفالة احترام تعاليم القرآن . روى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت بالسيف بين يدي الساعة ، حتى يعبد اللّه وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبّه بقوم فهو منهم » .